أبي منصور الماتريدي

312

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وَاللَّهُ عَلِيمٌ . بما كان ويكون ، أي : عن علم بما كان منهم خلقهم ، لا عن جهل ؛ إذ خلقه إياهم ليس لمنافع نفسه وحاجته ، إنما خلقهم لحاجتهم ومنافعهم حَكِيمٌ وضع كل شيء موضعه . ويحتمل : عَلِيمٌ : بما كان من هؤلاء من التكذيب لرسول الله والكفر بآياته ، حَكِيمٌ أي : فيما جعل عليهم من القتل والتعذيب والخزي كأنه وضع الشيء موضعه . قوله تعالى : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 16 إلى 18 ] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 16 ) ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ ( 17 ) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ( 18 ) وقوله - عزّ وجل - : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ . وأيضا قوله : [ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [ آل عمران : 142 ] وقوله أيضا ] « 1 » : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ الآية [ البقرة : 214 ] ، وقوله : أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا . . . الآية [ العنكبوت : 2 ] ، هذه الآيات كلها في المنافقين الذين أظهروا الإيمان باللسان ، وأروا « 2 » المؤمنين الذين حققوا الإيمان وأخلصوا الإسلام « 3 » الموافقة لهم ، فقال : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا على ما أظهرتم من الإيمان باللسان فلا تبتلون بالقتال ؛ جعل الله - تعالى - القتال مع الكفرة - والله أعلم - وأمر به لمعنيين : أحدهما : تطهيرا للأرض من الكفر ؛ كقوله - تعالى - : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [ الأنفال : 39 ] . والثاني : امتحانا للمنافقين ؛ ليبين نفاق من أظهر الإيمان باللسان مراءاة ، وصدق من أظهره حقيقة ؛ ليعرف المحق المخلص من المنافق المرائي ؛ لأن القتال هو أرفع أعلام يظهر بها نفاق المنافق ؛ لأنهم إنما كانوا يظهرون الموافقة لهم ؛ طمعا « 4 » في الدنيا ؛ لتسلم

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : ورأوا . ( 3 ) في أ : الإيمان . ( 4 ) في أ . طمعا لهم .